محمد جواد مغنية

100

في ظلال نهج البلاغة

وتطلق عليهم كلمة الجماهير لأنهم الغالبية العظمى والأكثرية في كل الشعوب أو جلها ، وهم القوة والعدة لكل نبي ومصلح في حل الأزمات وتقدم الحياة ، ولولاهم ما كان للعلماء والعظماء اسم ولا أثر في مدنية وحضارة ، أو شيء ينفع الناس ، ولا كان للإنسانية هذا التراث الضخم من الصروح والسدود والترع والقلاع ، وما إلى ذلك مما نراه في متاحف الآثار وغيرها . ومع هذا فهم الطبقة المستغلة المضطهدة من بين طبقات المجتمع ، فالبوليس يطاردهم ويحرر بهم المخالفات ، في حين لا يجرأ على غيرهم ، والأغنياء لا يعطونهم من ثمن الخدمات إلا دون الكفاف ، وهم يحرمون من إعانات الإغاثة - ان كانت - لتذهب إلى جيوب المشرفين عليها والموظفين ، وبعد هذا كله يتحملون القسط الأوفر من كل نكبة وآفة سماوية كانت كالجدب ، أم أرضية كالحرب . وقد ذكرهم سبحانه في العديد من آياته ، منها توجب لهم الشركة في أموال الأغنياء : * ( فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) * - 25 المعارج . ومنها الإحسان إليهم : * ( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ) * - 36 النساء . ومنها توجب الجهاد والثورة من أجلهم : * ( وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ا للهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) * - 75 النساء . ولكن المستضعفين لم ينتظروا أحدا يثور عنهم ويقاتل من أجلهم فثاروا على الظلم بأنفسهم ، وخاضوا المعارك في كل طرف من أطراف المعمورة ، وانتصروا في كثير من الثورات ، وبعضها الآخر في طريق النصر ، وان طال ، وأين المفر من التيار الواثب الغاضب . أما فلسفة المساكين التي تقول : العدل والحرية للجميع ، وحياة أسعد وأفضل لكل فرد دون استثناء ، أما هذه الفلسفة فهي رسالة السماء إلى الأرض ، ومبدأ الشرائع والقوانين ، وأمنية كل شعب في شرق الأرض وغربها ، والإمام لا ينطق بلسانه ، ولا يعبر عن شعوره فقط ، وإنما يعلن إرادة اللَّه والطيبين من عباده حين يقول : « اللَّه اللَّه في الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين . . . فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم » لأنهم أيتام وبلا عم وخال . ( واجعل لهم قسما من بيت مالك ) . مشاريع الدولة كثيرة ، وكل مشروع يحتاج إلى تصميم ومبلغ كاف من ميزانية الدولة . وقد أمر الإمام أن تكون النفقة